عثمان بن جني ( ابن جني )
484
الخصائص
فقلت له : عافاك اللّه ! إنما هو نمشّ : أي نمسح ، ومنه سمّى منديل الغمر مشوشا ، وأنشد للمخبّل السعدىّ : وإذا ألمّ خيالها طرقت * عيني فماء شؤونها سجم " 1 " فقلت : عافاك اللّه ! إنما هو طرفت ، وأنشد للأعشى : ساعة أكبر النهار كما ش * دّ محيل لبونه اعتاما " 2 " فقلت : عافاك اللّه ! إنما هو مخيل بالخاء المعجمة ( وهو الذي ) رأى خال السحابة ، فأشفق منها على بهمه فشدّها . وأمّا ما تعقب به أبو العبّاس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سمّاها مسائل الغلط ، فقلّما يلزم صاحب الكتاب منه إلا الشئ النّزر . وهو أيضا - مع قلّته - من كلام غير أبى العباس . وحدّثنا أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس أنه قال : إن هذا كتاب كنا عملناه في أوان الشبيبة والحداثة ، واعتذر أبو العباس منه . وأمّا كتاب العين ففيه من التخليط والخلل والفساد ما لا يجوز أن يحمل على أصغر أتباع الخليل ، فضلا ( عن نفسه ) ولا محالة أن ( هذا تخليط لحق ) هذا الكتاب من قبل غيره رحمه اللّه . وإن كان للخليل فيه عمل فإنما هو أنه أومأ إلى عمل هذا الكتاب إيماء ، ولم يله بنفسه ، ولا قرّره ، ولا حرّره . ويدلّ على أنه قد كان نحا نحوه أنى أجد فيه معاني غامضة ، ونزوات للفكر لطيفة ، وصنعة في بعض الأحوال مستحكمة . وذاكرت به يوما أبا علىّ - رحمه اللّه - فرأيته منكرا له . فقلت : إن تصنيفه منساق متوجّه ، وليس فيه التعسّف الذي في كتاب الجمهرة ، فقال : الآن إذا صنّف إنسان لغة بالتركيّة تصنيفا جيدا أيؤخذ به في
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للمخبل السعدي في ديوانه ص 312 ، ولسان العرب ( سجر ) ، وتاج العروس ( سجر ) . ويروى : طرفت بدلا من طرقت ، شؤونها بدلا من : سئونها . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو للأعشى في ديوانه ص 299 ، ولسان العرب ( كبر ) ، وتهذيب اللغة 10 / 216 ، وتاج العروس ( كبر ) . أكبر النهار أي حين ارتفع . يقول : قتلناهم أول النهار في ساعة قدر ما يشدّ المحيل أخلاف إبله لئلا يرضعها الفصلان . والإعتام : الإبطاء .